تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ولما أمر اللّه رسوله بالدعوة وبين طريقها وكانت تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم والحكم عليهم بالكفر والضلالة ، وذلك مما يحمل أكثرهم على إيذاء الداعي إما بقتله أو بضربه أو بشتمه ، كما أن الداعي يدعوه طبعه إلى تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وأخرى بالضرب ، لا جرم أمر سبحانه المحقين برعاية العدل والإنصاف في العقاب وترك الزيادة فيه فقال :
( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ )
أي وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم فلكم في العقاب إحدى طريقين : ( 1 ) أن تعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة . ( 2 ) أن تصبروا وتتجاوزوا عما صدر منه من الذنب ، وتصفحوا عنه ، وتحتسبوا عند اللّه ما نالكم به من الظلم ، وتكلوا أمركم إليه ، واللّه يتولى عقوبته ، والصبر خير للصابرين من الانتقام ، لأن اللّه ينتقم من الظالم بأشد مما كان ينتقم منه لنفسه . والخلاصة - إنكم إن رغبتم في القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه ، فإن الزيادة ظلم ، والظلم لا يحبه اللّه ولا يرضى به ، وإن تجاوزتم عن العقوبة وصفحتم فذلك خير وأبقى ، واللّه هو الذي يتولى عقاب الظالم ويأخذ بناصر المظلوم . ثم أمر رسوله بالصبر صراحة بعد أن ندب إليه غيره تعريضا ، لأنه أولى الناس بعزائم الأمور ، لزيادة علمه بشئونه تعالى فقال :
( وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ )
أي واصبر على ما أصابك منهم من أذى في اللّه ، ومن إعراض عن الدعوة ، وما صبرك إن صبرت إلا بمعونة اللّه وحسن توفيقه ، ومشيئته المبنية على الحكم البالغة التي تنتهى إلى عواقب حميدة . وفي هذا تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلّم وتهوين لمشاقّ الصبر عليه وتشريف له بما لا مزيد عليه .
( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ )
أي ولا تحزن على إعراض المشركين الذين يكذّبونك وينكرون ما جئتهم به .
تفسير المراغي — صفحة 162 | أحمد مصطفى المراغي