تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وإيراد هذه العبارة بين سابق الكلام ولاحقه - إنذار للمشركين وتهديد لهم بما في مخالفة الأنبياء من عظيم الوبال والنكال ، كما ذكر مثل القرية فيما سلف ، إلى أن فيه حثا على إجابة الدعوة التي تضمنها سابق الكلام وأمروا بها في لا حقه ، ثم فصل سبحانه ما أمر باتباع إبراهيم فيه فقال :
( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )
أي ادع أيها الرسول من أرسلك إليهم ربك بالدعاء إلى شريعته التي شرعها لخلقه بوحي اللّه الذي يوحيه إليك ، وبالعبر والمواعظ التي جعلها في كتابه حجة عليهم ، وذكرهم بها في تنزيله كالذي عدده في هذه السورة . وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها بأن تصفح عما نالوا به عرضك من أذى ، وترفّق بهم بحسن الخطاب ، كما قال في آية أخرى
« وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ »
الآية ، وقال آمرا موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون « فقولا له قولا ليّنا لعلّه يتذكّر أو يخشى » . ثم توعد سبحانه ووعد فقال :
( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )
أي إن ربك أيها الرسول هو أعلم بمن جار عن قصد السبيل من المختلفين في السبت وغيره ، وأعلم بمن كان منهم سالكا قصد السبيل ومحجة الحق ، وهو مجازيهم جميعا حين ورودهم إليه بحسب ما يستحقون . وخلاصة ذلك - اسلك في الدعوة والمناظرة الطريق المثلى ، وهي الدعوة بالتي هي أحسن ، وليس عليك غيرها . أما الهداية والضلال والمجازاة عليهما فإلى اللّه سبحانه لا إلى غيره ، إذ هو أعلم بحال من لا يرعوى عن الضلال لسوء اختياره ، وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء ، لما ينطوى بين جنبيه من الخير ، فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمة ، وهو كاف في هداية المهتدين وإزالة عذر الضالين .