تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
وبعد أن نهاهم سبحانه عن الإشراك أعقبه بمثل يكشف عن فساد ما ارتكبوه من الحماقات والجهالات فقال :
( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ )
أي إن مثلكم في إشراككم باللّه الأوثان ، مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف ، وحرّ مالك ما لا ينفق منه كيف يشاء ، ويتصرف فيه كما يريد ، والفطرة الأولى تشهد بأنهما ليسا سواء في التجلة والاحترام ، مع استوائهما في الخلق والصورة - فكذلك لا ينبغي لعاقل أن يسوّى بين الإله القادر على الرزق والإفضال والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شئ البتة . ثم ذكر ما هو كالنتيجة لما سلف فقال :
( الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ )
أي الحمد الكامل للّه خالصا دون ما تدعون من دونه من الأوثان ، فإياه فاحمدوا دونها ، ما الأمر كما تفعلون ، ولا القول كما تقولون ، فليس للأوثان عندكم من يد ولا معروف فتحمد عليه ، إنما الحمد للّه ، ولكن أكثر هؤلاء الكفار الذين يعبدونها لا يعلمون أن ذلك كذلك ، فهم بجهلهم بما يأتون وما يذرون يجعلونها للّه شركاء في العبادة والحمد . ثم ضرب مثلا آخر يدل على ما يدل عليه المثل السابق على وجه أظهر وأوضح فقال :
( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ، هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟ )
أي ضرب اللّه مثلا لنفسه والآلهة التي يعبدونها من دونه مثل رجلين أحدهما أخرس أصم لا يفهم ولا يفهم ، فلا يقدر على شئ مما يتعلق بنفسه أو بغيره ، وهو عيال على من يعوله ويلي أمره ، حيثما يرسله مولاه في أمر لا يأت بنجح ولا كفاية مهمّ - وثانيهما