( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ )
أي وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام دالة على باهر قدرتنا ، وبديع صنعنا ، وواسع فضلنا ، ورحمتنا بعبادنا ، فإننا نسقيكم مما في بطونها من اللبن الخالص من شائبات المواد الغربية ، السهل التناول ، اللذيذ الطعم ، وهو متولد من بين فرث ودم .
فإن اللّه جلت قدرته جعل الحيوان يتغذى بما يأكل من نبات ولحوم ونحوهما حتى إذا هضم المأكول تحول بإذنه تعالى إلى عصارة نافعة للجسم وفضلات تطرد إلى الخارج ، ومن هذه العصارة يتكون الدم الذي يسرى في عروق الجسم لحفظ الحياة ، وبعض هذا الدم يذهب إلى الغدد التي في الضرع فتحولها إلى لبن ، فكأنّ الصانع الحكيم جعلها مصنعا ومعملا لتحويل الدم إلى لبن ، وهكذا في الجسم غدد أخرى كالغدد الأنفية للمخاط والغدد الدمعية للعين ، والغدد المنويّة التي تحول الدم إلى مادة التلقيح .
وبعد أن ذكر اللبن وبين أنه جعله شرابا سائغا للناس ، ثلّث بذكر ما يتخذ من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب فقال :
( وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً )
أي ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب مما تتخذونه خمرا وخلا ودبا ( عسل التمر ) وتمرا .
روى عن ابن عباس أنه قال : السّكر ما حرّم من ثمرتيهما ، والرزق الحسن ما أحلّ من ثمرتيهما كالخل والرّب ( المربة ) والتمر والزبيب ونحو ذلك .
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )
أي إن في ذلك لآية باهرة لمن يستعملون عقولهم .
بالنظر والتأمل في الآيات ، ويعتبرون بما يستخلص من العبر .
( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )
أي وألهم ربك النحل وألقى في روعها ، وعلّمها أعمالا يتخيل منها أنها ذوات عقول .