تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ )
أي وقد أحسن بي ربى إذ أخرجني من السجن وسما بي إلى عرش الملك ، وجاء بكم من البادية حيث كنتم تعيشون في شظف العيش وخشونته ، ونقلكم إلى الحضر حيث تعيشون في نعم الاجتماع ونشر الدين الحق ، وتتعاونون على ترقى العلوم والصناعات . ولم يذكر له إخراجه من الجب لوجوه : ( 1 ) إنه ذكر آخر المحن المتصلة بنهاية النعم . ( 2 ) إنه لو ذكر حادث الجب لكان في ذلك تثريب لإخوته وقد قال
( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ )
. ( 3 ) إنه بعد خروجه منه صار عبدا لا ملكا . ( 4 ) إنه بعد خروجه منه وقع في مضارّة تهمة المرأة التي بسببها دخل السجن . وعلى الجملة فالنعم الكاملة إنما حصلت بعد خروجه من السجن .
( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي )
أي من بعد أن أفسد الشيطان ما بيني وبين إخوتي من عاطفة الأخوّة ، وقطع ما بيننا من وشيجة الرحم ، وهيج الحسد والشر .
( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ )
أي إن ربى عالم بدقائق الأمور رفيق بعباده ، فينفذ ما يشاء في خلقه بحكمته البالغة ، فمن ذا الذي كان يدور بخلده أن الإلقاء في الجب يعقبه الرق ، ويتلو الرق فتنة العشق ، ومن أجله يزجّ في غيابات السجن ، ومن ذا إلى السيادة والملك .
( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )
أي إنه هو العليم بمصالح عباده ، فلا تخفى عليه مبادئ الأمور وغايتها ، الحكيم الذي يفعل الأمور على وجه الحكمة والمصلحة ، فيجازى الذين أحسنوا بالحسنى ، ويجعل العاقبة للمتقين . وبعد أن حمد يوسف ربه على لطفه في مشيئته وعلمه وحكمته - تلا ذلك بالدعاء فقال :