تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )
أي إن في ذلك التنبيه والتذكير لدلائل على وحدانية اللّه وقدرته لكل صبار في المحنة والبلية ، شكور في المنحة والعطية . قال قتادة : نعم العبد عبد إذا ابتلى صبر ، وإذا أعطى شكر ، وفي الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أمر المؤمن كله عجب ، لا يقضى اللّه له قضاء إلا كان خيرا ، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له » . وفي هذا إيماء إلى أن الإنسان في هذه الحياة يجب أن يكون بين صبر وشكر أبدا ، لأنه إما في مكروه يصبر عليه وإما في محبوب يشكر عليه ، والوقت في هذه الحياة ذهب ، فمتى ضاع من حياتنا زمن دون عمل نسدى فيه خدمة لأنفسنا ولديننا ووطننا فقد كفرنا النعمة ، وأضعنا الفرصة ، ولم نعتبر بما حل بمن قبلنا من الأمم الغابرة ، فليحذر كل امرئ أن يضيع حياته بلا عمل ، وليخف على وقت يضيع ، ثم بعده عذاب سريع . ولما سمع موسى أمر ربه امتثله وأخذ يذّكر قومه بأيام اللّه كما حكى اللّه عنه فقال :
( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ )
أي واذكر لقومك حين قول موسى لقومه : يا قوم تذكروا إنعام اللّه عليكم إذ أنجاكم من فرعون وآله ، حين كانوا يذيقونكم العذاب ويكلفونكم من الأعمال ما لا يطاق مع القهر والإذلال ، ويذبحون أبناءكم ويبقون نساءكم على قيد الحياة ذليلات مستضعفات ، وهذا رز من أشد الأرزاء ، وأعظم ألوان البلاء ، قال شاعرهم :
ومن أعظم الرزء فيما أرى * بقاء البنات وموت البنينا
وفي ذلك التذكير عبرة لهم لو يعتبرون .
( وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ )
أي وفيما ذكر ابتلاء واختبار عظيم من ربكم
تفسير المراغي — صفحة 129 | أحمد مصطفى المراغي