تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤

المعنى الجملي

لما أمر اللّه رسوله في هذه السورة أن يبلغ الخلق تكاليف شاقة يعسر تحملها إلا على من خصّ بوجوه التوفيق والكرامة - ختمها بما يوجب تحملهم تلك ، التكاليف فبيّن أن هذا الرسول منهم ، فما يحصل له من عز وشرف فهو عائد إليهم ، إلى أنه يشقّ عليه ضررهم ، وتعظم رغبته في إيصال خيرى الدنيا والآخرة إليهم فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم عليهم ، والطبيب الحاذق ربما أقدم على علاج يصعب تحمله ، والأب الرحيم ربما ركن إلى ضروب من التأديب يشق على النفس احتمالها كما قال :
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما * فليقس أحيانا على من يرحم
قال أبىّ بن كعب رضى اللّه عنه : إن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن ، لكن روى الشيخان عن البراء بن عازب أنه قال : آخر آية نزلت
« يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ »
وآخر سورة نزلت براءة ، وعن ابن عباس : آخر آية نزلت
( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ )
وكان بين نزولها وموته صلى اللّه عليه وسلم ثمانون يوما .

الإيضاح

( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ )
أي لقد جاءكم أيها العرب رسول من جنسكم ، والآية بمعنى قوله
« هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ »
. ذاك أن منّته على قومه أعظم ، وحجته بكتابه أنهض ، وأولى قومه به قبيلته قريش ثم عشيرته الأقربون بنو هاشم وبنو المطلب ، ولو لم يؤمن به وبكتابه العرب لما آمن العجم ، وقد وجه دعوته إلى الأقرب فالأقرب ، فآمن العرب بدعوته مباشرة ، وآمن العجم بدعوة العرب ، والعرب آمنوا بفهم القرآن وبيانه له صلى اللّه عليه وسلم بالتبليغ والعمل وبما شاهدوا من آيات اللّه في شخصه .