تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
( وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )
العرش مركز تدبير أمور الخلق كما قال تعالى
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ »
وعظمته بعظمة الرب الذي استوى عليه ، وعظمة الملك الكبير الذي هو مركز تدبيره ، وعظمة العرش والملك في الملأ الأعلى وفيما دونه هي مظهر عظمة اللّه سبحانه وتعالى ، ودليل على أنه وحده الإله الحق الذي لا ينبغي أن يعبد غيره ولا يتوكل على سواه ، وهو المالك للعالم كله والمدبر لهم . روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن زيد بن ثابت في جمع القرآن وكتابته في عهد أبى بكر أنه قال : حتى وجدت من سورة التوبة آيتين عند خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره
( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ )
إلى آخرها - يريد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب في الرقاع والأكتاف والعسب إلا عنده ، وقد كانتا محفوظتين معروفتين للكثير كما صرح بذلك في الروايات الأخرى ؛ فقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد اللّه بن الزبير قال : أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة
( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
- إلى قوله
وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )
إلى عمر فقال : من معك على هذا ؟ فقال : لا أدرى واللّه إلا أنى أشهد لسمعتهما من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووعيتهما وحفظتهما ، فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتهما من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لو كانت ثلاث آيات لجعلتهما سورة على حدة ، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها بها ، فألحقت في آخر براءة . و أخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر ، فقال عمر لا أسألك عليها بينة أبدا ، كذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرؤها . ومن هذه الروايات يعلم أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين ، إلا أنهم اختلفوا في موضعهما ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى اللّه عليه وسلم وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد ، ولكن المعتمد هو الأول ، لأن من حفظ التوقيف حجة على من لم يحفظ .