تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
الإسلام ، فزادتهم كفرا ونفاقا مضموما إلى كفرهم ونفاقهم السابق ، واستحوذ ذلك عليهم واستحكم فيهم إلى أن ماتوا على الكفر والنفاق على مقتضى سننه تعالى في تأثير الأعمال في صفات النفس وتغيير هواجس الفكر . ثم عجّب من حالهم وقد كان لهم زاجر فيما يرون فقال :
( أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ؟ )
أي أيجهلون هذا ويغفلون عن حالهم فيما يعرض لهم عاما بعد عام من ضروب الابتلاء والاختبار التي تظهر استعداد النفوس للإيمان والكفر والتفرقة بين الحق والباطل ، وينظرون إلى الآيات الدالة على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم في كل ما أخبر به من نصر اللّه لمن اتبعه وخذلان أعدائه ووقوع ما أنذرهم به ، ومن إنباء اللّه بما في قلوبهم وفضيحتهم بما يكتمون من أعمالهم .
( ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ )
أي ثم هم مع كل هذا تمر عليهم الأعوام تلو الأعوام ولا يتوبون من نفاقهم ولا يتعظون بما يحلّ بهم من العذاب ، أفبعد هذا برهان على قلة الاستعداد للإيمان وانطفاء نور الفطرة ، وللّه در القائل :
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفمّ طعم الماء من سقم
وبعد أن بين حال تأثير إنزال السورة في المنافقين وهم غائبون عن مجلس الرسول صلى اللّه عليه وسلم - بيّن حالهم وهم في مجلسه صلى اللّه عليه وسلم حين نزولها واستماع تلاوته لها فقال :
( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ )
أي وإذا أنزلت سورة وهم في المجلس تسارقوا النظر وتغامزوا بالعيون ، على حين تخشع أبصار المؤمنين وتنحني رؤوسهم ، وتشاوروا في الانسلال من المجلس خفية ، لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من سخرية وإنكار قائلا بعضهم لبعض :
( هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ )
أي هل يراكم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أو المؤمنون إذا قمتم من المجلس .