تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
عبيدا لهم ، وخاض البحر وراءهم حتى إذا أشرف على الغرق قال آمنت أنه لا إله بحق إلا الرب الذي آمنت به جماعة بني إسرائيل بدعوة موسى ، وأنا ممن أذعنوا لأمره بعد ما كان منى من جحود بآياته وعناد لرسوله . وكرر المعنى الواحد بثلاث عبارات حرصا منه على القبول المفضى إلى النجاة ، ولكن هيهات فقد فات الوقت وجاء الإيمان حين اليأس وهو لا يجدى فتيلا ولا قطميرا - وهذا ما بينه سبحانه بقوله موبخا له .
( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )
أي وقيل له أتسلم الآن حين يئست من الحياة وأيقنت بالممات ؟ وقد عصيت قبل ذلك وكنت من المفسدين في الأرض الظالمين للعباد ، فدعواك الإسلام الآن لا تقبل ، فقد صار إسلامك اضطرارا لا اختيارا . وخلاصة المعنى - آلآن تقرّ للّه بالعبودية ، وتستسلم له بالذلة وتخلص له الألوهية ، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك فأسخطته على نفسك ، وكنت من المفسدين في الأرض الصادّين عن سبيله ، فهلا أقررت بما أقررت به الآن وباب التوبة لك منفتح .
( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً )
أي فاليوم نجعلك على نجوة من الأرض ببدنك ينظر إليك من كذّب بهلاكك ، لتكون عبرة لمن بعدك من الناس يعتبرون بك فينزجرون عن معصية اللّه والكفر به والسعي في الأرض بالفساد . ووجه العبرة في ذلك - أنه يكون شاهدا على صدق وعد اللّه لرسله ، ووعيده لأعدائهم كطغاة مكة التي أنزلت هذه الآيات لإقامة حجج اللّه عليهم قبل غيرهم .
( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ )
أي وإن كثيرا من الناس لفى غفلة عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة له وحده خالصة ، فهم يمرون عليها وهم عنها معرضون ، فلا يتفكرون في أسبابها ونتائجها وحكم اللّه فيها .