تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤

المعنى الجملي

بعد أن قص سبحانه قصص الأنبياء السالفين وما لاقوه من أقوامهم من العناد والجحود والاستكبار والعتو ، وفي كل حال كان النصر حليف المؤمنين والخذلان نصيب الظالمين - قفّى على ذلك بذكر صدقه فيما قال ووعد وأوعد ، وكون ذلك سنة اللّه في المكذبين قبل ، وسيكون ذلك فيهم من بعد وليس في هذا سبيل للافتراء والشك وقد ساق ذلك بطريق التلطف في الأسلوب ، فوجه الكلام إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمراد قومه فجاء على نحو قولهم : إياك أعنى واسمعي يا جارة ، وقد جاء مثل هذا في قوله تعالى
« لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ »
وقوله :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ »
.

الإيضاح

( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ )
المراد بالكتاب جنسه أي الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل ، أي فإن كنت أيها الرسول في شك مما قلناه في تلك الشواهد من قصة هود ونوح وموسى وغيرهم فرضا وتقديرا ، فاسأل الذين يقرءون كتب الأنبياء كاليهود والنصارى ، فإنهم يعلمون أن ما أزلناه إليك حق لا يستطيعون إنكاره . وقد جرت عادة العرب أن يقدّروا الشك في الشيء ليبنوا عليه ما ينفى احتمال وقوعه فيقول أحدهم لابنه : إن كنت ابني فكن شجاعا ، وجاء من هذا قول المسيح عليه السلام مجيبا ربه تعالى عن سؤاله إياه
« أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ »
فهو عليه السلام يعلم أنه لم يقله ولكنه يفرضه ليستدل على ذلك بأنه لو قاله لعلمه اللّه منه ، ويجرى العلماء في محاوراتهم بينهم وبين نظرائهم