وخلاصة ذلك - من خلق هذه الحواس ووهبها للناس وحفظها مما يعتريها من الآفات ؟ ولا شك أن الجواب عن ذلك السؤال لا حاجة فيه إلى الفكر ، فإن هم تأملوا في ذلك ازدادوا علما وإعجابا بإنعام اللّه بهما ، وإيمانا بأنه لا يقدر غيره على إيجادهما .
( وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ )
أي ومن ذا الذي بيده أمر الموت والحياة فيخرج الحي من الميت والميت من الحي فيما تعرفون من المخلوقات وما لا تعرفون ، فاللّه هو الذي يخرج النبات من الأرض الميتة بعد إحيائه إياها بماء المطر النازل عليها من السماء كما قال تعالى :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ »
.
وعلامة الحياة في النبات النموّ ، وفي الحيوان النمو والإحساس والحركة بالإرادة ، ولم يكونوا يصفون أصول الإحياء بالحياة كالحب والنوى وبيض الحيوان ومنيّه ، ومن ثم مثلوا إخراج الحي من الميت والميت من الحي بخروج النخلة من النواة والطائر من البيضة وعكسهما ، وهو تفسير صحيح عند علماء اللغة ، غير صحيح عند علماء المواليد الثلاثة ، وبه تحصل الدلالة على قدرة اللّه وحكمته وتدبيره ورحمته لدى المخاطبين .
وإذا كان أرباب الفنون أثبتوا أن في أصول النبات كالبذور والنوى والبيض والمنىّ حياة ، فهم يثبتون أيضا أن أصول الأحياء في الأرض كلها خرجت من مادة ميتة ، فقد قالوا إن الأرض كانت كتلة نارية ملتهبة انفصلت من الشمس ثم صارت ماء ، ثم نبتت اليابسة في الماء ثم تكوّن من الماء النبات والحيوان في أطوار شتى وقالوا ، أيضا إن الغذاء من الطعام الميت الذي يحرق بالنار ويتولد منه الدم ، ومن هذا الدم يكون البيض والمنى المشتملان على مادة الحياة ، وقالوا أيضا : إن بعض مواد البدن الحية تموت وتخرج منه مع البخار والعرق وغيرهما مما يفرزه البدن ، وتتجدد فيه مواد جديدة تحل محل ما خرج منها وفنى .
والخلاصة - إن علماء المواليد قالوا : الحىّ لا يخرج إلا من حي ، ولكن الحياة الأولى هي من خلق اللّه الحي بذاته المحيي لغيره .