ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولى القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب - إذ أبان فيها أن نصر اللّه للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يشترى به من الزاد والعتاد ، بل كان بفضل اللّه عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم ، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم على عجبهم بكثرتهم ورضاهم عنها ، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه ، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية لا بالكثرة العددية وما يتعلق بها .
الإيضاح
( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ )
أي لقد نصركم اللّه أيها المؤمنون في أماكن حرب توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم ، ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم في صعيد واحد للطعان والنزال إحقاقا للحق وإظهارا لدينه .
روى أبو يعلى عن جابر أن عدد غزواته صلى اللّه عليه وسلم إحدى وعشرون ، قاتل بنفسه في ثمان : بدر وأحد والأحزاب والمصطلق وخيبر ومكة وحنين والطائف .
وبعوثه وسراياه ست وثلاثون ، واختار جمع من العلماء أن المغازي والسرايا كلها ثمانون ولم يقع في بعضها قتال ، ونصرهم في كل قتال ، إما نصرا كاملا وهو الأكثر وإما نصرا مشوبا بشيء من التربية على ذنوب اقترفوها كما في أحد ، إذ نصرهم أولا ثم أظهر عليهم العدو لمخالفتهم أمر القائد الأعظم في أهم أوامر الحرب وهو حماية الرماة لظهورهم ، وكما في حنين من الهزيمة في أثناء المعركة والنصر التام في آخرها .
( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ )
أي ونصركم أيضا في يوم حنين وهو اليوم الذي أعجبتكم فيه كثرتكم إذ كنتم اثنى عشر ألفا وكان الكافرون أربعة آلاف فقط ، فقال قائل منكم :
لن نغلب اليوم من قلة ، فشق ذلك على النبي صلى اللّه عليه وسلم فكانت الهزيمة :
أي فكانت الهزيمة عقوبة على هذا الغرور والعجب وتربية للمؤمنين حتى لا يغتروا بالكثرة