تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
ويعلم منه حقيقة ما تدعو إليه ، أو ليلقاك وإن لم يذكر سببا - فأجره وأمّنه على نفسه وأمواله لكي يسمع أو لكي يراك ، فإن هذه فرصة للتبليغ والاستماع ، فإن اهتدى وآمن عن علم واقتناع فذاك ، وإلا فالواجب أن تبلغه المكان الذي يأمن به على نفسه ويكون حرا في عقيدته ، حيث لا يكون للمسلمين سلطان عليه ، وتعود حال الحرب إلى ما كانت عليه من غير غدر . والمراد بالسماع أن يسمع المقدار الذي تقوم به الحجة ويتبين به بطلان الشرك وحقيقة التوحيد والبعث وصدق الرسول في تبليغه عن اللّه ، فإنه إذا ألقى إليه السمع لا يلبث أن يظهر له الحق إذا لم تصده العصبيّة والعدوان للداعي ، فإن لم يفعل ذلك كان له شأنه وكانت له حريته ، ولكنه يمنع من مساكنة المسلمين في دار الإسلام وهو على هذه الحال .
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ )
أي إن ما ذكر من إجارة المستجير من المشركين إلى أن يسمع كلام اللّه من جراء أنهم قوم جاهلون لا يدرون ما الكتاب وما الإيمان ، وما أعرضوا إلا عن جهل وعصبية واغترار بالقوة وإصرار على الجفوة . فإذا هم شعروا بضعفهم وصدق وعد اللّه بنصر المؤمنين عليهم ، وأعدّهم ذلك للعلم بما كانوا يجهلون ، وطلبوا الأمان لهذا السبب أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة وإسماعهم كلام اللّه - أجيبوا إلى ذلك لأن هذه الطريق المثلى لتعليمهم وهدايتهم ، والرسول صلوات اللّه عليه إنما أرسل مبشرا ونذيرا . وفي الآية إيماء إلى أن التقليد في الدين غير كاف ، وأنه لا بد من النظر والاستدلال ، لأنه لو كان كافيا لوجب ألا يهمل الكافر ، بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك ، فأمهلناه ليحصل له النظر والاستدلال فإن ظهر على المشرك علامات القبول للحق ببحثه عن الدليل والتفكير فيه أمهل وترك ، وإن ظهر أنه معرض عن الحق لم يلتفت إليه ووجب تبليغه إلى مأمنه .
تفسير المراغي — صفحة 60 | أحمد مصطفى المراغي