شركهم وضلالهم في وقت يسهل فيه ذلك التبليغ والإعلام ، وهو يوم الحج الأكبر يوم النحر الذي فيه تنتهى فرائض الحج ، ويجتمع الحجاج لإتمام مناسكهم وسننهم في منى .
ثم أكد ما يجب أن يبلّغوه بلا تأخير بقوله :
( فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ )
أي قولوا لهم : فإن تبتم ورجعتم عن شرككم وعن خيانتكم وغدركم بنقض العهد وقبلتم هدى الإسلام ، فذلك خير لكم في الدنيا والآخرة ، لأن في هدايته سعادتكم فيهما .
( وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ )
أي وإن أعرضتم عن إجابة الدعوة إلى التوبة فاعلموا أنكم غير سابقيه سبحانه ولا فائتيه فلن تفلتوا من حكم سننه ووعده لرسله وللمؤمنين بالنصر والغلب كما قال :
« وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » *
.
( وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ )
أي وبشر أيها الرسول الكريم من جحد رسالتك ولم يؤمن باللّه وملائكته واليوم الآخر بعذاب أليم في الآخرة .
وهذا من أنباء الغيب التي لا تعلم إلا بوحي من اللّه عزّ وجل ، واستعمال البشارة فيما يسوء ويكره ضرب من التهكم كما لا يخفى .
( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ )
أي لا تمهلوا الناكثين للعهود فوق أربعة أشهر ، إلا الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم ، فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم ، بل أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم بشرط ألا ينقصوا شيئا من شروط الميثاق ولا يضاروكم ، ولا يعاونوا عليكم أحدا من أعدائكم ، كما عدت بنو بكر على خزاعة في غيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فظاهرتهم قريش بالسلاح .
وفي ذلك إيماء إلى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهد معقودا ، وإلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته ، وإلى أن من شروط وجوب الوفاء به محافظة العدو المعاهد لنا على ذلك العهد بحذافيره بنصه وفحواه ، فإن نقص شيئا منه وأخلّ بغرض من أغراضه عدّ ناقضا له كما قال :
( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً )