تريثت في الإذن لهم وتوقفت عنه حتى ينجلى أمرهم وينكشف حالهم ، وإلى ذلك الإشارة بقوله :
( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ )
أي حتى يتبين لك الفريقان ، فتعامل كلّا بما ينبغي أن يعامل به ، فإن الكاذبين لا يخرجون ، أذنت لهم أو لم تأذن ، فكان من الأجدر بك أن تتلبّث في الإذن أو تمسك عنه اختبارا لحالهم .
روى عن مجاهد في قوله
( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ؟ )
هم ناس قالوا استأذنوا رسول اللّه ، فإن أذن لكم فاقعدوا ، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا . وعن قتادة في قوله
( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ )
لقد كانوا يستطيعون الخروج ، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 44 إلى 46 ]
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 )
المعنى الجملي
تقدم أن قلنا إن هذه السورة تسمى الفاضحة ، لأنها فضحت أنواع النفاق وكشفت أحوال المنافقين ، ومن ثم نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضى اللّه عنه أنه قال : لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة ، والمراد أنه لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بهذا التفصيل حتى نزلت .
وهذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال .