تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وقد فهم سلفنا الصالح القرآن على هدى النبي وعمله ففتحوا البلاد وسادوا العباد ، لكن بعد أن انحرفوا عن هديه وتدبر معانيه واكتفوا بتلاوته والتغني بألفاظه ذلوا وضعفوا واستكانوا وسادتهم الشعوب الأخرى وتقوض ملكهم من أطرافه وأصبحوا من المستضعفين وصاروا عبيدا لأعدائهم .
( وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
أي وجاهدوا أعداءكم الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت ويفسدون في الأرض ، وابذلوا أموالكم وأنفسكم في إقامة ميزان العدل وإعلاء كلمة الحق . فمن استطاع منكم الجهاد بماله ونفسه وجب عليه ذلك ، ومن قدر على أحدهما وجب عليه ما كان في مقدرته . وقد كان المسلمون في الصدر الأول ينفقون على أنفسهم من أموالهم ويبذلونها لغيرهم إن استطاعوا كما فعل عثمان رضى اللّه عنه في تجهيز جيش العسرة في هذه الغزوة ، وكما فعل غيره من ذوى اليسار من الصحابة . ولما أصبح في بيت المال فضلة من المال بكثرة الغنائم صار الملوك والسلاطين يجهزون الجيوش من بيت المال ، وكذلك تفعل الآن الدول المتمدينة ، فتخصص جزءا من المال كل عام للنفقات الحربية من برية وبحرية ، ويزداد هذا المال إذا دعت الحاجة إلى زيادته ، بل قد يجعلون أموال الدولة كلها ومرافقها وقفا على المصالح الحربية ، وقد كان المسلمون أحق منهم بذلك وأجدر .
( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ )
أي ذلكم الذي أمرتم به من النفر والجهاد الذي هو الوسيلة في حفظ كيان الأمم وعلو كلمتها - خير لكم في دينكم ودنياكم ؛ أما في الدين فلا سعادة إلا لمن ينصر الحق ويقيم العدل باتباع هدى الدين والعمل بالشرع الحكيم . وأما في الدنيا فإنه لا عز للأمم ولا سيادة لها إلا بالقوة الحربية التي هي وسيلة لدفاع العدو وكبح جماحه .
تفسير المراغي — صفحة 124 | أحمد مصطفى المراغي