الإيضاح
( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ )
أي ليس من شأن المؤمنين باللّه الذي كتب عليهم القتال ، وباليوم الآخر الذي يوفى فيه كل عامل جزاء ما عمل ، أن يستأذنوك أيها الرسول في أمر الجهاد في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم إذا جدّ ما يدعو إلى ذلك ، بل يقدمون عليه عند وجوبه من غير استئذان كما قال :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ »
بل هم يستعدون له وقت السلم بإعداد القوة ورباط الخيل .
وهم بالأولى لا يستأذنوك في التخلف عنه بعد إعلان النفر العام ، وأقصى ما قد يقع من فريق منهم هو التثاقل والتباطؤ إذا كان النصر بعيدا .
روى عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل اللّه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعا طار على متنة يبتغى القتل والموت في مظانّه إلخ » .
والمراد أن خير أعمال الرجل أن يعدّ فرسه رباطا في سبيل اللّه ، كلما سمع صيحة لقتال ، أو فزعة ( أي دعوة للإغاثة ) طار على فرسه يبتغى القتل والموت في مظانه ، أي المواضع التي يظن أنه يلقى القتل فيها .
( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ )
أي واللّه عليم بمن خافه فاتقاه باجتناب ما يسخطه وفعل ما يرضيه بالمسارعة إلى طاعته في غزو عدوه وجهادهم بماله ونفسه ، وليس من دأبهم أن يستأذنوا بالتخلف كراهة للقتال .
وفي الآية إيماء إلى أنه لا ينبغي الاستئذان في أداء شئ من الواجبات ولا فضائل العادات كقرى الضيف وإغاثة الملهوف وسائر أعمال المعروف .
ثم صرح بما فهم من الكلام السابق زيادة في التوكيد والتقرير فقال :
( إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ )
أي إنما يستأذنك في التخلف عن الجهاد معك من غير عذر من