وهذه الآية تشمل أصول الفضائل فهي من أسس التشريع التي تلى في المرتبة أصول العقيدة المبنية على التوحيد الذي تقرر فيما سلف بأبلغ وجه وأتم برهان .
الإيضاح
( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ )
أمر اللّه نبيه في هذه الآية بثلاثة أشياء هي أسس عامة للشريعة في الآداب النفسية والأحكام العملية :
( 1 ) العفو : وهو السهل الذي لا كلفة فيه : أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم وتسهّل من غير كلفة ، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى ينفروا ، وهذا كما
جاء في الحديث « يسّروا ولا تعسّروا »
وقال الشاعر :
خذي العفو منى تستديمى مودتي * ولا تنطقى في سورتي حين أغضب
وقيل إن المعنى خذ العفو وما تسهّل من صدقاتهم .
والخلاصة - إن من آداب الدين وقواعده اليسر وتجنب الحرج وما يشق على الناس ، وقد صح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما .
( 2 ) الأمر بالمعروف : وهو ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه ، ولا شك أن هذا مبنى على اعتبار عادات الأمة الحسنة وما تتواطأ عليه من الأمور النافعة في مصالحها .
وإجمال القول فيه - إنه اسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللّه والتقرب إليه والإحسان إلى الناس .
وقد ذكر المعروف في السور المدينة في الأحكام الشرعية العملية كوصف الأمة الإسلامية وحكومتها كقوله :
« الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ »
وقوله :
« وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
.