( أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ؟ )
أي إن هؤلاء فقدوا وسائل الكسب التي يناط بها النفع والضر في هذه الحياة ، فليس لهم أرجل يسعون بها إلى دفع ضر أو جلب نفع ، وليس لهم أيد يبطشون بها فيما ترجون منهم من خير أو تخافون من شر ، وليس لهم أعين يبصرون بها حالكم ولا آذان يسمعون بها أقوالكم ويعرفون بها مطالبكم ، فهم ليسوا مثلكم ، بل دونكم في الصفات والقوى التي أودعها اللّه في الخلق ، فكيف ترفعونهم عن مماثلتكم وهم دونكم بالاختبار والمشاهدة .
وإنكم تستكبرون عن قبول الهدى والرشاد من الرسول ويقول بعضكم لبعض :
« ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ . وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ »
.
فما بالكم تأبون قبول الحق والخير من مثلكم وقد فضله اللّه عليكم بالعلم والهدى ، ثم ترفعون ما دونه ودونكم إلى مقام الألوهية مع انحطاطه عن درجة المثلية .
ثم أمر رسوله أن يبين لهم حقارة شأنهم فقال :
( قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ )
أي قل أيها الرسول لهؤلاء الذين تحتقرون نعم اللّه عليهم : نادوا شركاءكم الذين اتخذتموهم أولياء ، ثم تعاونوا على كيدي جميعا وأوقعوا الضر بي سريعا فلا تنظرون أي لا تؤخروني ساعة من نهار .
والحكمة في مطالبتهم بهذا ، أن العقائد الموروثة يتضاءل دونها كل برهان ولا يجدى معها دليل ، ومن ثم طالبهم بأمر عملي ينزع هذا الوهم من أعماق القلوب ، وهو أن ينادوا هؤلاء الشركاء ويستنجدوا بهم لصدّ دعوة الداعين إلى الكفر بها وإثبات العجز لها وإنكار ما لها من سلطان غيبى وتدبير كامن ، فإن كان لها حقا سلطان في أنفسها أو من عند اللّه فهذا إبّان ظهوره ، وإلا فمتى يظهر ليساعد أبطال عبادتها وينصر عابديها ومعظّمى شأنها ، ومن الجلى أن القوم كانوا ينكرون البعث فكل ما يرجونه منها من خير أو يخافونه منها من شر فهو في هذه الحياة .