ثم زاد الأمر بيانا وبالغ في حقارة هذه المعبودات وعابديها على ما كان به من ضعف وقلة ناصر وهو بمكة حين نزول هذه السورة فقال :
( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ )
أي إن متولى أمرى وناصري هو اللّه الذي نزّل علىّ الكتاب المؤيد لوحدانيته ووجوب عبادته ودعائه عند الشدائد والملمات ، والناعي على المشركين عبادة غيره من وثن أو صنم ، وهو يتولى نصر الصالحين من عباده ، وهم من صلحت أنفسهم بصحيح العقائد ، وسلمت من الأوهام والخرافات ، والأعمال التي تصلح بها شؤون الأفراد والجماعات ، فينصرهم على ذوى الخزعبلات والأوهام ، وفاسدى العقائد والأحلام تصديقا لقوله :
« فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ »
.
ثم أكد ما سلف بقوله .
( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ )
أي وإن من تدعونهم لنصركم وجلب النفع لكم ودفع الضر عنكم عاجزون ، فلا هم بالمستطيعين نصركم ولا نصر أنفسهم على من يحقّر شأنهم أو يسلبهم شيئا مما وضع عليهم من طيب أو حلى ، فقد كسّر إبراهيم صلوات اللّه عليه الأصنام فجعلهم جذاذا فما استطاعوا أن يدفعوه عن أنفسهم ولا أن ينتقموا منه لها .
وقد روى عن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل رضي اللّه عنهما - وكانا شابين من الأنصار قد أسلما لما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة - أنهما كانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ، ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم رأيا آخر .
وكان لعمرو بن الجموح - وكان سيد قومه - صنم يعبده فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة فيجىء عمرو فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له انتصر ، ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا ،