تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
وقد كان الناس في الجاهلية لا يحترمون إلا القوة ، ولا يعرفون الحق إلا للأقوياء ، ومن ثم بالغ الشارع في الوصية بالضعيفين : المرأة ، واليتيم . والقوة التي يحفظ بها المرء ماله في هذا العصر هي اتزان الفكر ، والرشد العقلي والأخلاق بكثرة المران والتجارب في المعاملات ، لكثرة الفسق والحيل ووجود أعوان السوء الذين يوسوسون إلى الوارثين ويزينون لهم الإسراف في اللذات والشهوات على جميع ضروبها حتى لا يتركوهم إلا وهم فقراء ، وقلما يستيقظون من غفلتهم إلا إذا بلغوا سن الكهولة التي يكمل فيها العقل ويفقهون تكاليف الحياة ويهتمون فيها بأمر النسل . وقد شرط الشارع الحكيم لإيتاء اليتامى أموالهم بلوغ سن الحلم وظهور الرشد في المعاملات المالية بالاختبار كما سلف في سورة النساء من قوله :
« وَابْتَلُوا الْيَتامى »
الآية . ( 7 )
( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ )
أي وأتموا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم ، وأوفوا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو لغيركم فيما تبيعون ، فليكن كل ذلك وافيا تاما بالعدل ، ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفهم اللّه بقوله :
« الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ »
. والخلاصة - أن الإيفاء يكون من الجانبين : حين البيع ، وحين الشراء ، فيرضى المرء لغيره ما يرضاه لنفسه . وقوله :
( بِالْقِسْطِ )
يدل على تحرى العدل في الكيل والميزان حال البيع والشراء بقدر المستطاع .
( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها )
أي إن اللّه تعالى لا يكلف نفسا إلا ما يسعها فعله ، بأن تأتيه بلا عسر ولا حرج ، فهو لا يكلف من يبيع أو يشترى الأقوات ونحوها أن يزنها أو يكيلها بحيث لا تزيد حبة ولا مثقالا ، بل يكلفه أن يضبط الوزن والكيل له أو عليه سواء بحيث يعتقد أنه لم يظلم بزيادة ولا نقص يعتد بهما عرفا .