تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
إليه زلفى ، وشاء أن نحرم ما حرمنا من البحائر والسوائب وغيرها فحرمناها ، فإتياننا إياها دليل على مشيئته تعالى وعلى رضاه وأمره بها . ونحو الآية قوله :
« وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
وقوله :
« وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ »
وقد رد عليهم شبهتهم فقال :
( كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا )
أي ومثل ذلك التكذيب الذي صدر من مشركي مكة لرسوله صلى اللّه عليه وسلم فيما جاء به من إبطال الشرك وإثبات توحيد اللّه في الألوهية والربوبية ، ومنها حق التشريع والتحليل والتحريم - كذب الذين من قبلهم لرسلهم تكذيبا غير مبنى على أساس من العلم . والرسل صلوات اللّه عليهم قد أقاموا الحجج والبراهين العلمية والعقلية على التوحيد وغيره مما ادعوا ، وأيدهم اللّه بباهر الآيات ، ولكن المكذبين لم ينظروا فيها نظرة إنصاف ، بل أعرضوا عنها وأصرّوا على جحودهم وعنادهم حتى ذاقوا بأسه تعالى وأهلكهم بذنوبهم وصاروا كأمس الدابر . ولو كانت مشيئة اللّه لما كانوا عليه من الشرك تتضمن رضاه عن فاعلها وأمره بها لما عاقبهم عليها تصديقا لما قال الرسل ، كذلك لو كانت أعمالهم بالجبر المخرج لها عن كونها من أعمالهم ، لما استحقوا العقاب عليها ، ولما قال إنه أخذهم بذنوبهم ، وأهلكهم بظلمهم وكفرهم ونحو ذلك مما جاء في كثير من الآيات . فقوله :
( حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا )
برهان دالّ على صدق الرسل في دعواهم وبطلان شبهات المشركين المكذبين لهم . وبعد أن ذكرهم بالبرهان الواضح أمر رسوله أن يطالبهم بدليل يثبت ما يزعمون فقال :