تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ؟ )
أي هل عندكم بما تقولون علم تعتمدون عليه وتحتجون به ، فتخرجوه لنا لنفهمه ونوازن بينه وبين ما جئناكم به من الآيات العقلية والوقائع المحكية عن الأمم قبلكم ونتبين منها الراجح من المرجوح ؟ وفي هذا الاستفهام من التعجيز والتوبيخ ما لا يخفى . ثم قفّى على ذلك ببيان حقيقة حالهم فقال :
( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ )
أي إنكم لستم على شئ من العلم ، بل ما تتبعون في عقائدكم وآرائكم في الدين والعمل به إلا الحدس والتخمين الذي لا يستقر عنده حكم . وبعد أن نفى عنهم درجات العلم أثبت لذاته الحجة البالغة التي لا تعلوها حجة فقال :
( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ )
أي قل أيها الرسول لهؤلاء الجاهلين بعد تعجيزك إياهم عن أن يأتوا بأدنى دليل أو قول يرقى إلى أضعف درجة من العلم : إن لم يكن عندكم علم في أمر دينكم ، فإن للّه وحده أعلى درجات العلم وله الحجة البالغة على ما أراد من إحقاق الحق وإزهاق الباطل بما بينه في هذه السورة وغيرها من الآيات البينات على أصول العقائد وقواعد التشريع الموافقة للعقول الحكيمة والفطر السليمة وسننه في الاجتماع البشرى ، ولكن لا يهتدى بهذه الآيات إلا المستعدّ للهداية ، المحب للحق ، الحريص على طلبه ، الذي يستمع القول فيتبع أحسنه ، دون من أعرض عن النظر فيها استكبارا عنها وحسدا للمبلّغ الذي جاء بها ، وجمودا على تقليد الآباء واتباع الرؤساء . ولو شاء سبحانه أن يهديكم بغير هذه الطريق التي أقام أمر البشر عليها وهي التعليم والإرشاد بطريق النظر والاستدلال - لهداكم أجمعين - فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة المفطورين على الحق والخير جل شأنه كما قال سبحانه عنهم :
« لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
ويجعل الطاعة فيكم بغير شعور منكم