تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
بالإغواء ، ويفسدوا عليهم فطرتهم ، فتنقلب عواطف ود الوالدين من رأفة ورحمة إلى قسوة ووحشية ، فينحر الوالد ولده ويدفن بنته الضعيفة بيده وهي حية . والدين الذي لبسوه وخلطوه هو ما كانوا يدّعونه من دين إسماعيل وملة إبراهيم عليهما السلام ، وقد اختلط عليهم بما ابتدعوه من تقاليد الشرك حتى لم يعرف الأصل الذي كان يتبع من هذه الإضافات التي ضموها إليه .
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ )
أي ولو شاء اللّه أن يخلق الناس مطبوعين على عبادته طبعا لا يستطيعون غيرها كالملائكة ، فلا يؤثّر فيهم إغواء ولا تجدى فيهم وسوسة - لفعل ، ولكن شاء أن يخلقهم مستعدين للتأثر بكل ما يرد على أنفسهم من الأفكار والآراء ، وما يشاهدون من المحسوسات ، واختيار ما يترجح عندهم أنه الخير على ما يقابله ، ومن ثم يؤثّر في نفوسهم ما يستفيدونه بالتعليم والاختيار والمعاشرة والمخالطة ، والناس يتفاوتون في هذا جدّ التفاوت ، فلا يمكن أن يكونوا على رأى واحد أو دين واحد . فدعهم أيها الرسول وما ينتحلونه من شرائع ، وما يفترون من عقائد ، وعليك بما أمرت به من التبليغ ، واللّه هو الذي يتولى أمرهم وله سنن في هداية خلقه لا تتغير ولا تتبدل ، ومن سننه أن يغلب الحق الباطل . ثم ذكر نوعا ثالثا من آرائهم الفاسدة فقال :
( وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ ، وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا )
أي إنهم لغوايتهم وشركهم قسموا أنعامهم وزرعهم أقساما ثلاثة : ( 1 ) أنعام وأقوات من حبوب وغيرها تقتطع من أموالهم وتجعل لمعبوداتهم تعبدا وتدينا ، ويمتنعون من التصرف فيها إلا لها ، ويقولون هي حجر أي محتجرة للآلهة لا تعطى لغيرهم .