تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وهلك ، أي فأنجيناه وأهل بيته الذين آمنوا معه إلا امرأته ، فإنها لم تؤمن به ، بل خانته بولاية قومه الكافرين ، فكانت من جماعة الهالكين أو الباقين الذين نزل بهم العذاب في الدنيا ، وبعده عذاب الآخرة .
( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً )
الإمطار حقيقة في المطر مجاز فيما يشبهه في الكثرة من خير وشر مما يجئ من السماء أو من الأرض أي وأرسلنا عليهم مطرا عجيبا أمره وهو الحجارة التي رجموا بها ، وجاء في سورتي هود والحجر إنها حجارة من سجيل مسوّمة أي معلمة ببياض في حمرة . وقد يكون سبب إمطار الحجارة عليهم إرسال إعصار من الريح حمل تلك الحجارة وألقاها عليهم ، أو أن تلك الحجارة من بعض النجوم المحطّمة التي يسميها علماء الفلك الحجارة النيزكية وهي بقايا كوكب محطم تجذبه الأرض إليها إذا صار بالقرب منها ، وهي تحترق غالبا من سرعة الجذب وشدته ، وهي الشهب التي ترى بالليل ، فإذا سلم منها شئ من الاحتراق ووصل إلى الأرض ساخ فيها وكان لسقوطه صوت شديد ، وقد وجد الناس بعض هذه الحجارة ووضعوها في دور الآثار .
( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ )
أي فانظر أيها المعتبر هذا القصص وتأمله حق التأمل ، لتعلم عقاب الأمم على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة . وهذا العقاب أثر طبيعي لذلك ، فإنك ترى الترف والفسق يفسدان أخلاق الأمم ويذهبان ببأسها ويفرّقان كلمتها ويجعلانها شيعا وأحزابا متعادية ، فيسلط اللّه عليها من يستذلها ويسلبها استقلالها ، ويسخرها لمنافعه ، ولا يزال بها هكذا حتى تنقرض وتكون من الهالكين . وقد يكون هلاكها بسنن اللّه في الأرض من إرسال الجوائح كالزلازل والمواد المصطهرة التي تقذفها البراكين من الأرض ، أو بالأوبئة والأمراض الفتاكة ، أو بالثورات والفتن والحروب ونحو ذلك مما يكون سببا في انقراض الأمم وفنائها