تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وفي قوله : من دون النساء ، إيماء إلى أنهم تجاوزوا النساء اللاتي هن محل الاشتهاء عند ذوى الفطر السليمة إلى غيرهن .
( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ )
أي إنكم لا تأتون هذه الفاحشة ثم تندمون على ما فعلتم ، بل أنتم قوم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم ولا تقفون فيها عند حد الاعتدال ، وقد جاء في سورة النمل :
« بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ »
أي أنتم ذوو سفه وطيش ، وفي سورة العنكبوت
« أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ »
. وفي كل هذا دليل على أنهم كانوا مسرفين في لذاتهم ، متعدين حدود العقل والفطرة ، لا يعقلون ضرر ما يفعلون بجنايتهم على النسل والصحة والآداب العامة ، فهم لو عقلوا ذلك لاجتنبوها ، ولو كان لديهم شئ من الفضيلة لانصرفوا عنها .
( وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ )
أي وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار وتلك النصيحة شيئا من الحجج المقنعة أو الأعذار المسكنة لثورة الغضب ، بل كان جوابهم الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم ، وما حجتهم على تبرير ما عزموا عليه إلا أن قالوا إن هؤلاء أناس يتطهرون ويتنزهون عن مشاركتهم في فسوقهم ورجسهم ، فلا سبيل إلى معاشرتهم ولا مساكنتهم ، لما بينهم من الفوارق في الصفات والأخلاق . وهذا الجواب منهم يدل على منتهى السخرية والتهكم ، والافتخار بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظوهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف ، وأريحونا من هذا المتزهد . وقد بلغ من قحتهم وفجورهم أن يفعلوا الفاحشة ويفخروا بها ويحتقروا من يتنزه عنها ، وهذا أسفل الدركات ، ولا يهبط إليه إلا من لا يؤمن باللّه واليوم الآخر .
( فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ )
يقال غبر أي بقي ، وغبر : ذهب