أهل النار في النار - إذا ما وجهوا أبصارهم إليهم يسألونهم سؤال افتخار على حسن حالهم وسؤال تهكم وتذكير بجناية أهل النار على أنفسهم بتكذيب الرسل ، وسؤال تقرير لهم بصدق ما بلّغهم الرسل من وعد ربهم لمن آمن واتقى بجنات النعيم قائلين لهم :
قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله من النعيم والكرامة حقا لا شبهة فيه ، وها نحن أولاء : نستمتع بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر - فهل وجدتم ما أوعدكم ربكم من الخزي والنكال حقا ؟
( قالُوا نَعَمْ )
أي وجدنا ما أوعدنا به ربنا حاكما بلّغنا على ألسنة الرسل .
( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )
أي فكان ردف السؤال والجواب وقيام الحجة عليهم - أن أذّن مؤذن قائلا : لعنة اللّه على الظالمين لأنفسهم الجانين عليها بما أوجب حرمانها من النعيم المقيم ، وهذا المؤذن إما مالك خازن النار ، وإما ملك غيره يأمره اللّه بذلك .
ثم بين المراد من الظالمين فقال :
( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً )
أي إنهم هم الذين يعرضون عن سلوك سبيل اللّه الموصلة إلى مرضاته وثوابه ، ويمنعون الناس عن سلوكها ، ويبغونها معوجّة حتى لا يسلكها أحد .
وبغى الظالمين وطلبهم اعوجاج السبيل يجئ على ضروب شتى :
( 1 ) تدسية أنفسهم بالظلم العظيم وهو الشرك فيشوبون التوحيد بشوائب الوثنية في العبادة والدعاء ويشركون مع اللّه غيره على أنه شفيع عنده ووسيلة إليه ، وهو ما نهى اللّه عنه بقوله :
« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ »
وقوله تعالى
« حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ »
.
( 2 ) ظلمهم لها بالابتداع ، إذ يبغونها عوجا بما يزيدون في الدين من البدع المحدثات التي لم يرد بها كتاب ولا سنة ، ومستندهم في ذلك تأويلات جدلية ومحاولات