وموضحة لقدرتنا وإرادتنا ، وعلمنا وحكمتنا ، وفضلنا ورحمتنا ، لقوم يفقهون ما يتلى عليهم ، ويفهمون المراد منه ، ويفطنون لدقائقه وخفاياه .
وعبر هنا بالفقه وفيما قبلها بالعلم ، لأن استخراج الحكم من خلق البشر بتوقف على غوص في أعماق الآيات وفطنة في استخراج دقائق الحكم ، أما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر فهو من الأمور الظاهرة التي لا تتوقف على دقة النظر ، ولا غوص الفكر والتأمل في العبرة منها ، وكذلك جميع المظاهر الفلكية .
ثم ذكر بعد ذلك آية أخرى من آيات التكوين وهي إنزال الماء من السماء وجعله سببا للنبات فقال :
( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً )
أي وهو الذي أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسبب هذا الماء كل صنف من أصناف النبات المختلف في شكله وخواصه وآثاره اختلافا متفاوتا في مراتب الزيادة والنقصان كما قال :
« يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ »
.
فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئا غضا أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة كساق النجم وأغصان الشجر ، نخرج منه أي من هذا الأخضر المتشعب النبات آنا بعد آن حبّا متراكبا بعضه فوق بعض وهو السنبل .
وهذا تفصيل لنماء النجم الذي لا ساق له من النبات ونتاجه .
ثم عطف عليه حال نظيره من الشجر فقال :
( وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ )
أي ونخرج من طلع النخل قنوانا دانية القطوف سهلة التناول .
( وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ )
أي ونخرج من ذلك الخضر جنات من أعناب .