تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
ولما في عالم السماوات من بديع الصنع ، وبديع النظام ختم سبحانه الآية بقوله :
( قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )
والآيات هنا إما آيات التنزيل ، وإما آيات التكوين ، فإن كانت الأولى فالمعنى - إن هذه الآية وما قبلها وكل ما في معناها من الآيات المنزلة في الحث على النظر في ملكوت السماوات تبين وتفصل حكم اللّه تعالى وعجائب صنعه ، فيزداد الإنسان بهذا البيان بحثا وعلما . وإن كانت الثانية فالمعنى - إن الآيات الدالة على علم اللّه تعالى وقدرته وفضله على خلقه لا يستخرجها من النظر في النجوم إلا أهل العلم الذين يقرنون العلم بالاعتبار ولا يكتفون بأن يقولوا بعد النظر والحساب : إن هذا لعجب عجاب . وبعد أن ذكّرنا سبحانه ببعض آياته في الأرض والسماء ذكرنا بآياته في أنفسنا فقال :
( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ )
الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته ، أو إحداثه بالتدريج ، والنفس تطلق على الروح وعلى الشخص المركب من روح وبدن . والمعنى - إنه تعالى هو الذي أنشأكم من نفس واحدة هي الإنسان الأول الذي تسلسل منه سائر الناس بالتوالد ، وهو آدم عليه السلام . وفي إنشاء جميع البشر من نفس واحدة آيات بينات على قدرة اللّه وعلمه وحكمته ووحدانيته وفي التذكير بذلك إيماء إلى ما يجب من شكر نعمته ، وإرشاد إلى ما يجب من التعارف والتعاون بين البشر ، وأن يكون هذا التفرق إلى شعوب وقبائل مدعاة إلى التآلف ، لا إلى التعادي والتقاتل وبث روح العداوة والبغضاء بين الناس .
( فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ )
أي ولكم موضع استقرار في الأصلاب ، وموضع استيداع في الأرحام ، وإنما جعل الصلب مقر النطفة ، والرحم مستودعها ، لأن النطفة تتوالد في الصلب ابتداء ، والرحم شبيهة بالمستودع كما قال :
وإنما أمهات الناس أوعية * مستودعات وللآباء أبناء
( قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ )
أي إننا جعلنا الآيات المبينة لسنننا في الخلق مفصلة