تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وكذلك خلق الحيوان من النطفة فهو خلق حي من حي فلا تنطبق عليه الآية الكريمة على هذا التفسير ، واللّه أعلم . والتفسير الحقيقي - هو إخراج الحي من الميت كما يحصل يوميا من أن الحي ينمو بأكل أشياء ميتة ؛ فالصغير مثلا يكبر جسمه بتغذية اللبن أو غيره ، والغذاء ميت ، ولا شك أن القدرة على تحويل الشيء الميت الذي يأكله إلى عناصر وموادّ من نوع جسمه بحيث ينمو جسمه ، هو أهم علامة تفصل الجسم الحي من الجسم الميت وقد كتب علماء الحيوان فقالوا : إن النعجة مثلا تتغذى بالنبات وتحوّله إلى لحمها ، وهذه أهم علامة تدل على أنها حية ، وكذا الطفل يتغذى باللبن الميت ويحوله إلى جسمه الحي . وأما إخراج الميت من الحي فهو الإفرازات مثل اللبن : ( وإن شئت فلحوم الحيوانات أيضا والنباتات ، فإن اللبن سائل ليس فيه شئ حي ، بخلاف النطفة فإن فيها حيوانات حية ، وهذه تخرج من الحيوان الحي ، وهكذا ينمو الحي من الميت ويخرج الميت من الحي واللّه أعلم بمراده ) ا ه .
( ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ )
أي ذلكم المتصف بكامل القدرة وبالغ الحكمة هو اللّه الخالق لكل شئ المستحق للعبادة وحده لا شريك له ؛ فكيف تصرفون عن عبادته وتشركون به من لا يقدر على شئ من ذلك كفلق نواة وحبة وإيجاد نخلة وسنبلة .
( فالِقُ الْإِصْباحِ )
فلق الصبح : هو فلق ظلمة الليل وشقّها بعمود الصبح الذي يبدو في جهة مطلع الشمس من الأفق مستطيلا ، ولا يعتد به حتى تنفشع الظلمة عنه من أمامه وعن جانبيه حتى تزول .
( وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً )
أي وجعله يستريح فيه المتعب من العمل بالنهار ويسكن فيه ، والسكون يعم سكون الجسم وسكون النفس بهدوء الخواطر والأفكار . والليل وقت السكون ، لأنه لا يتيسر فيه من الحركة وأنواع الأعمال ما يتيسر في النهار ، لما خص به الليل من الإظلام والنهار من الإبصار . وأكثر الأحياء من الإنسان والحيوان تترك العمل والسعي في الليل وتأوى إلى