تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
ثم حكى سبحانه أمر الملائكة لهم على سبيل التهكم والتوبيخ حين بسط أيديهم لقبض أرواحهم .
( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ )
أي أخرجوا أنفسكم مما هي فيه إن استطعتم ، أو أخرجوها من أبدانكم . قال صاحب الكشاف : هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ليعنّفه عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج مالي عليك الساعة ، ولا أريم - لا أبرح - مكاني حتى أنزعه من أحداقك . ويرى بعضهم أنه لا داعى للعدول عن الحقيقة إلى التمثيل ، فربما تمثّل الملائكة للبشر بمثل صورهم ، وتخاطبهم بمثل كلامهم ، فهي إذا ممكنة على الحقيقة فلا معدل عنها .
( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ )
أي تقول لهم الملائكة وقت الموت : اليوم تلقون عذاب الذل والهوان جزاء ظلمكم لأنفسكم بسبب ما كنتم تقولون مفترين على اللّه غير الحق كقول بعضهم ما أنزل اللّه على بشر من شئ ، وقول بعض آخر : إنه أوحى إليه ولم يوح إليه شئ ، وإنكار طائفة لما وصف اللّه به نفسه من الصفات ، واتخاذ أقوام له البنين والبنات ، واستكبار آخرين عن الاعتراف بما أنزل اللّه من الآيات ، احتقارا لمن أكرمه اللّه بإظهارها على يده ولسانه ثم ذكر سبحانه ما يقوله لهم يوم القيامة بعد ذكر ما تقول لهم ملائكة العذاب فقال :
( وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ )
أي ولقد جئتمونا وحدانا منفردين عن الأنداد والأوثان والأهل والإخوان ، مجردين من الخدم والأملاك والأموال ، كما خلقناكم أول مرة من بطون أمهاتكم حفاة عراة غلفا ؛ ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله :
« وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
لأن المراد لا يكلمهم تكليم تكريم ورضا .
( وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ )
أي إن ما كان شاغلا لكم من المال والولد والخدم والحشم والأثاث والرياش عن الإيمان بالرسل ، والاهتداء بما جاء ولم ينفعكم كما