ذلك أن من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر إذا لم يكن له بد من الإيمان بأن القرآن من عند اللّه ، ومن الاهتداء به ، فأكمل الناس إيمانا بالدار الآخرة وما فيها من الجزاء وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم لا يمكن أن يعرّض نفسه لمنتهى الظلم الذي يستحق عليه أشد العذاب .
الإيضاح
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً )
أي لا أحد أظلم ممن كذب على اللّه كالذين قالوا ما أنزل اللّه على بشر من شئ ، أو جعل للّه شريكا أو ولدا .
( أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ )
كمسيلمة الكذاب الذي ادّعى النبوة باليمامة ، والأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن ، وطليحة الأسدي الذي ادعى النبوة في بنى أسد ، ونحوهم من كل من ادعى ذلك أو يدعيه في أي زمان كان .
( وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ )
أي ومن ادّعى أنه قادر على إنزال مثل ما أنزل اللّه على رسوله كمن قال من المشركين :
« لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا »
فقد أثر عن النضر بن الحارث أنه كان يقول : إن القرآن أساطير الأولين ، وإنه شعر لو نشاء لقلنا مثله .
ثم ذكر تعالى جدّه وعيده للظالمين لشدة جرمهم وعظيم ذنبهم فقال :
( وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ )
الخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم ثم لكل من سمعه أو قرأه ، أي ولو تبصر إذ يكون الظالمون - سواء منهم من ذكروا في الآية أو غيرهم - في غمرات الموت وهي سكراته وما يتقدمها من شدائد وآلام تحيط بهم كما تحيط غمرات الماء بالغرقى - لرأيت ما لا سبيل إلى وصفه ، ولا قدرة للبيان على تجلّى كنهه وحقيقته .
( وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ )
لقبض أرواحهم الخبيثة بالعنف والضرب كما قال :
« فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ »
.