تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
في كتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها كما تتمثل الوقائع مصوّرة في آلة الصور المتحركة ( فلم السينما ) : فكل أحد يظهر له في الآخرة ما كان خافيا عليه من خير في نفسه وشر
« يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ »
أي فهي لا تخفى على أنفسكم فضلا عن خفائها على ربكم . والخلاصة - إنه تعالى بين لنا أن تمنى أولئك الكفار لما تمنّوا لا يدل على تبدل حقيقتهم ، بل بدا لهم ما كان خافيا عليهم من أحوالهم بإخفائهم إياه على الناس أو عليهم
« وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ . وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ »
فتمنوا الخروج مما حاق بهم ، ولكن الحقيقة لا تتغير ، وإنما يكون للنفوس أطوار وأحوال . ثم بين أنهم كاذبون في هذا الندم فقال :
( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ )
من الكفر والنفاق والكيد والمكر والمعاصي فإن ذلك من أنفسهم ، ثابت فيها لخبث طينتهم وسوء استعدادهم ، ومن ثم لا ينفعهم مشاهدة ما شاهدوا ولا سوء ما رأوا .
( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ )
فيما تضمنه تمنيهم من الوعد بترك التكذيب بآيات اللّه ، وبالكون من المؤمنين باللّه ورسوله ، فلو ردوا إلى الدنيا لرد المعاند المستكبر منهم مشتملا بكبره وعناده ، والمنافق مرتدا بمكره ونفاقه ، والشهواني ملوّثا بشهواته القابضة على زمامه . وأما ما ظهر لهم إذ وقفوا على النار من حقيقة ما جاء به الرسول ، فما مثله إلا مثل ما يلوح لهم في الدنيا من الآيات والعبر ، فهم يكابرون فيها أنفسهم ، ويغالطون عقولهم ووجداناتهم . ألا ترى شارب الخمر والمقامر يريان ما حل بغيرهما من الشقاء فيظهران الندم على ما فرط منهما ويتوبان ويعزمان على ألا يعودا إلى مثل ما عملا ، ثم لا يلبثان أن يرجعا سيرتهما الأولى خضوعا لما اعتادا وألفا ، وترجيحا للذة العاجلة على المنفعة الآجلة .
تفسير المراغي — صفحة 102 | أحمد مصطفى المراغي