تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١

الإيضاح

( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ )
أي ولو ترى أيها السامع ما يحل بأولئك المكذبين من الفزع والهول حين تقفهم ملائكة العذاب على النار مشرفين عليها من أرض الموقف ، وندمهم على كفرهم وحسرتهم على ما فرط منهم في جنب اللّه وتمنيهم ما لا سبيل للحصول عليه - لرأيت ما لا يحيط به الوصف ولا يقدر على التعبير عنه اللسان ، ولا يبلغ تصويره البيان ، ولو أوتى المتكلم بلاغة سحبان . ثم ذكر ما يحدث منهم حينئذ فقال :
( فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )
أي يقول هؤلاء المشركون بربهم إذا حبسوا على النار : ليتنا نرد إلى الدنيا حتى نتوب ونعمل صالحا ولا نكذب بآيات اللّه وحججه التي نصبها دلالة على وحدانيته وصدق رسله ، بل نكون من المصدقين به وبرسله ومن المتبعين لأمره ونهيه . والخلاصة - إنهم حين عاينوا الشدائد والأهوال بسبب تقصيرهم تمنّوا الردّ إلى الدنيا ليسعوا في إزالة ذلك التقصير ويتركوا التّكذيب بالآيات ويعملوا صالح العمل . وتمنى هذا الرد إلى الدنيا بناء على جهلهم بأنه محال ، أو أنهم مع علمهم باستحالته لا مانع من تمنيه على سبيل التحسر ، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يكون . ثم بين أن هذا التمني لم يكن لتغير حالهم ، بل لأنه بدا لهم ما كان خفيا عنهم فقال :
( بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ )
أي بدا لهم سوء عاقبة ما كانوا يخفونه من الكفر والسيئات ونزل بهم عقابه فتبرموا وتضجروا وتمنّوا الخلاص منه بالرد إلى الدنيا وترك ما أفضى إليه من التكذيب بالآيات وعدم الإيمان ، كما يتمنى الموت من أنهكه المرض وأضناه الداء العضال لأنه ينقذه من الآلام لا لأنه محبوب في نفسه ولا مرجوّ لذاته . بيان هذا أنه إذا جاء ذلك اليوم الذي تبلى فيه السرائر وتنكشف جميع الحقائق ، وتشهد على الناس الأعضاء والجوارح ، وتتمثل لكل فرد أعماله النفسية والبدنية