تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
إذ القول قد ينسى ويقل الاعتبار به . من قبل هذا أرشدهم إلى الاعتبار وقياس ما في أنفسهم على ما كان لدى غيرهم من قبلهم ومن ثم قال :
( فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ )
أي فسيروا في الأرض وتأملوا فيما حل بالأمم قبلكم ليحصل لكم العلم الصحيح المبنى على المشاهدة والاختبار ، وتسترشدوا بذلك إلى أن المصارعة قد وقعت بين الحق والباطل في الأمم السالفة ، وانتهى أمرها إلى غلبة أهل الحق لأهل الباطل ، وانتصارهم عليهم ما تمسكوا بالصبر والتقوى ، ويدخل في ذلك اتباع ما أمر اللّه به من الاستعداد للحرب وإعداد العدة لقتال العدو كما أمر اللّه به في قوله :
« وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ »
. وجرى ذلك على سنن مستقيمة وأسباب مطردة لا تغيير فيها ولا تبديل . والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم - نعم العون على معرفة تلك السنن والاعتبار بها ، وقد نستفيد هذه الفائدة بالنظر في كتب التاريخ التي دونها من ساروا في الأرض ، ورأوا آثار الذين خلوا ، فتحصل لنا العظة والعبرة ، ولكنها تكون دون اعتبار الذين يسيرون في الأرض بأنفسهم ، ويرون الآثار بأعينهم
تلك آثارنا تدل علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار
( هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ )
أي هذا الذي تقدم بيان للناس كافة وهدى وموعظة للمتقين منهم خاصة ، فالإرشاد عام للناس وحجة على المؤمن والكافر ، التقى منهم والفاجر . وذلك يدحض ما وقع للمشركين والمنافقين من الشبهة بنحو قولهم لو كان محمد رسولا حقا لما غلب في وقعة أحد ، فهذا الهدى والبيان يرشد إلى أن سنن اللّه حاكمة على الأنبياء والرسل كما هي حاكمة على سائر خلقه ، فما من قائد يخالفه جنده ، ويتركون حماية الثّغر الذي يؤتون من قبله ، ويخلون بين عدوهم وبين ظهورهم ،