تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
والعدو مشرف عليهم ، إلا كان جيشه عرضة للانكسار إذا كر العدو عليه - قطع خط الرجعة - ولا سيما إذا كان بعد فشل وتنازع ، ومن ثم كان هذا البيان لجميع الناس ، كلّ على قدر استعداده للفهم وقبول الحجة . وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة ، فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق ، ويتعظون بما ينطبق عليها من الوقائع ، فيستقيمون ويسيرون على النهج السوىّ ، ويتجنبون نتائج الإهمال التي تظهر لهم مضرة عاقبتها ، فالمؤمن حقا هو الذي يهتدى بهدى الكتاب ويسترشد بمواعظه كما قال :
« ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نروز أنفسنا ؛ ونعرف كنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا ؛ فنسير على سنن اللّه في طلبه وفي حفظه . وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه . وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين .
( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
أي ولا تضعفوا عن القتال وما يتبعه من التدبير بسبب ما أصابكم من الجروح والفشل في يوم أحد . ولا تحزنوا على من فقد منكم في هذا اليوم . وكيف يلحقكم الوهن والحزن وأنتم الأعلون . فقد مضت سنة اللّه أن يجعل العاقبة للمتقين الذين لا يحيدون عن سنته . بل ينصرون من ينصره ويقيمون العدل . فهم أجدر بذلك من الكافرين الذين يقاتلون لمحض البغي والانتقام ، أو للطمع فيما في أيدي الناس . فهمة الكافر على قدر ما يرمى إليه من غرض خسيس ، ولا كذلك همة المؤمن الذي يرمى إلى إقامة صرح العدل في الدنيا والسعادة الباقية في الآخرة - إن كنتم مؤمنين بصدق وعد اللّه بنصر من ينصره . وجعل العاقبة للمتقين المتبعين لسنته في نظم الاجتماع ، حتى صار ذلك الايمان وصفا ثابتا لكم حاكما نفوسكم وأعمالكم . وإنما نهى عن الحزن على ما فات ، لأن ذلك مما يفقد الإنسان شيئا من
تفسير المراغي — صفحة 78 | أحمد مصطفى المراغي