تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
أي لكن الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهيات ، لهم جنات النعيم خالدين فيها أبدا . ونحو الآية قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا »
وفي الآية إيماء إلى أن النازلين فيها ضيوف عند ربهم يحفهم بلطفه ، ويخصهم بكرمه وجوده ، وهذه الجنات نعيم جسماني لهم ، وهناك نعيم روحاني أعطاه اللّه بمحض الفضل والإحسان وإليه الإشارة بقوله :
( وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ )
أي وما عنده من الكرامة فوق ما تقدم خير وأفضل يتقلب فيه الذين كفروا من المتاع القليل الفاني .
( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا )
بعد أن بين حال المؤمنين وما أعدّ لهم من الثواب وحال الكافرين وما هيأ لهم من العقاب ، ذكر هنا حال فريق من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن وكانوا من قبله مهتدين بما عندهم من هدى الأنبياء وقد وصفهم اللّه بصفات كلها تستحق المزية والشرف : الأولى : الإيمان باللّه إيمانا لا تشوبه نزعات الشرك ولا يفارقه الإذعان الباعث على العمل ، لا كمن قال اللّه فيهم
« وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ »
. الثانية : الإيمان بما أنزل إلى المسلمين ، وهو ما أوحاه اللّه إلى نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم . الثالثة : الإيمان بما أنزل إليهم وهو ما أوحاه اللّه إلى أنبيائهم ، والمراد به الإيمان إجمالا وما أرشد إليه القرآن تفصيلا فلا يضير في ذلك ضياع بعضه ونسيان بعضه الآخر . الرابعة : الخشوع وهو الثمرة للإيمان الصحيح فإن الخشوع أثر خشية اللّه في القلب ومنه تفيض على الجوارح والمشاعر ، فيخشع البصر بالانكسار ، ويخشع الصوت بالخفوت والتهدج .