فبين أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى فهذا خلق من حيوان من نوعه ، وذاك قد خلق من التراب فهو أولى بالمزية إن كانت ، والإنكار إن صح الإنكار .
وأمر الخلقة غريب بالنسبة إلينا ، لكنه ليس بالغريب بالنسبة إلى الصانع المبدع .
والقوانين المعروفة في الخلق قد استخرجت مما نعهد ونشاهد ، وليست بالقوانين العقلية التي قامت البراهين على استحالة ما عداها وإنا لنشاهد كل يوم ما يخالفها كالحيوان التي توجد من غير جنسها ، أو الحيوان ذوات الأعضاء الزائدة ، ويعبرون عن ذلك بفلتات الطبيعة ، ولعل لهذه الشواذ وتلك الفلتات سننا أخرى مطردة لم تظهر لنا .
وهكذا شأن خلق عيسى ، فكونه على غير السنن المعروفة لا يقتضى تفضيله على غيره من الأنبياء بله أن يكون إلها .
و
قد روى في سبب نزول الآية أن وفد نجران من النصارى قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما لك تشتم صاحبنا ؟ قال وما أقول ، قالوا تقول إنه عبد اللّه قال أجل هو عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول ، فغضبوا وقالوا هل رأيت إنسانا من غير أب ؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله فأنزل اللّه الآية .
الإيضاح
( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ )
أي إن شأن عيسى وصفته في خلق اللّه إياه على غير مثال سابق كشأن آدم في ذلك ، ثم فسر هذا المثل وفصل ما أجمله فقال :
( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ )
أي قدّر أوضاعه وكوّن جسمه من تراب ميت أصابه الماء فكان طينا لازبا لزجا .
وفي هذا توضيح للتمثيل ببيان وجه الشبه بينهما وقطع لشبه الخصوم ، فإن إنكار خلق عيسى عليه السلام بلا أب مع الاعتراف بخلق آدم من غير أب ولا أم - مما لا ينبغي أن يكون ولا يسلمه العقل .