تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
يرى الجبناء أن الجبن حزم * وتلك خديعة الطبع اللئيم
والكتاب الكريم لم يبين لنا عدد هؤلاء القوم ولا أمتهم ، ولا بلدهم ، ولو علم أن في ذلك خيرا لنا لتفضل علينا ببيانه في محكم كتابه فنكتفى بما فيه ، ولا ندخل في تفاصيل ذكرت في الإسرائيليات ، هي إلى الأوهام والخرافات أقرب منها إلى الحقائق التي تصلح للعبرة ، وتكون وسيلة إلى الموعظة . ويرى جمع من المفسرين منهم ابن كثير بسنده عن ابن جرير وعطاء - أن هذا مثل لا قصة واقعة ، ضرب للعظة والتأمل فيما ينطوى عليه ، ليكون أفعل في النفس وأدعى إلى الزجر .
( فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ )
أي خرجوا هاربين فأماتهم اللّه ، بأن مكن منهم العدوّ ففتك بهم ، وقتل أكثرهم وفرّق شملهم ، وأصبح من بقي منهم خاضعا للغالب ، منضويا تحت لوائه ، يصرّف بحسب إرادته ولا وجود له في نفسه ، ثم أحياهم بعود الاستقلال إليهم ، بعد أن جمعوا كلمتهم ، ووثقوا رابطتهم ، واعتزوا وكثروا ، وخرجوا من ذلّ العبودية إلى رياض الحرية ، وكان ما أصابهم من البلاء تأديبا لهم ومطهرا لنفوسهم مما عرض لهم من ذميم الأخلاق ورذيل السجايا . وقد جرت سنة اللّه في خلقه أن تموت الأمم باحتمالها الظلم ، وقبولها الجور والعسف ، حتى إذا أفاقت من سباتها وتنبهت من غفلتها ، قام بعض أفرادها بتدارك ما فات ، والاستعداد لما يرقى شأنها ، وتبذل في ذلك كل مرتخص وغال ، وتتلمس كل الوسائل التي تحقق لها ما تصبو إليه ، ولا يصدها عن ذلك ما يحول دونها من العوائق حتى تفوز ببغيتها وتنال أمنيتها ، ومن ثم أثر عن علىّ كرم اللّه وجهه أنه قال : بقية السيف هي الباقية ، أي هي التي يحيا بها أولئك الميتون . وعلى هذا فالموت والحياة واقعان على القوم في مجموعهم على ما عهد في أسلوب القرآن ، إذ خاطب بني إسرائيل في زمن التنزيل بما كان من آبائهم الأولين بمثل قوله :
« وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ »
وقوله :
« ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ »