العليم بكل شئ - قفى هذا بذكر بعض الأخبار عمن سلف من الأمم للعبرة والعظة في سياق واقعة مصت تنويعا في التذكير والبيان .
والأحكام السالفة تتعلق بالأفراد في أنفسهم وفي بيوتهم ، والحكمان الآتيان يتعلقان بالأمم من ناحية الدفاع عن استقلالها وحفظ كيانها بمدافعة المعتدين عليها ، وبذل المال والروح في توفير منافعها ، وجلب الخير لها .
وقد جرت العادة بأن التذكير بمنافع الشخص ومصالحه كافية في العمل بما يوعظ به ، إذ أنها وفق ما يهوى ، فلها في النفس عون أيّما عون ، أما المصالح العامة فالرغبة فيها قليلة ، فتحتاج إلى العناية في الدعوة إليها وتكرار الطلب لها ، ومن ثم جاءت هذه الآية على هذا النسق الرائع ، والأسلوب الخلاب ، لتدعو المخاطبين إلى تلبية الدعوة ، والقيام بما يجب من النصرة ، فتكون المصلحة العامة صنو المنفعة الخاصة ، وما يحفظ بقاء الجماعة عدل ما يحفظ نظام الفرد والأسرة .
الإيضاح
( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ )
الخطاب في نحو هذا يوجه إلى كل من بلغه وسمعه ، والاستفهام للتعجيب والاعتبار ، والرؤية بمعنى العلم ، وهذا أسلوب جار مجرى المثل يخاطب به من لم يرو من لم يعلم ، ويراد معنى - ألم ينته علمك إلى كذا ، والمقصد هنا - ألم يصل إلى علمك حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وحالهم بلغت من العجب مبلغا لا ينبغي لمثلها أن تجهل - إذ هم قوم بلغوا حدّا من الكثرة التي تدعو إلى الشجاعة واطمئنان النفس والدفاع عن الحمى ، لا إلى الهلع والجزع وخور العزيمة والهرب من الوطن خوفا من الموت بمهاجمة الأعداء ، وهذا هو الخوف والحذر الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء ، فيخيل إليهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت ، وما هو إلا وسيلة تدني إليه ، فهو يمكّن العدوّ من الرقاب ، ويحفزه إلى الفتك بهم ، استهانة بأمرهم كما قال المتنبي :