تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
والتنازع ، إذ هي سبله التي يزينها للناس ، ويسوّل لهم فيها المنافع والمصالح ، فقد كانت اليهود أمة واحدة مجتمعة على كتاب واحد ، فوسوس لهم الشيطان فتفرقوا وجعلوا لهم مذاهب وشيعا ، وأضافوا إلى الكتاب ما أضافوا ، وحرّفوا من حكمه ما حرّفوا ، فسلّط اللّه عليهم أعداءهم فمزقوهم كل ممزّق ، وهكذا فعل غيرهم من أهل الأديان ، كأنهم رأوا دينهم ناقصا فكملوه ، وقليلا فكثّروه فثقل عليهم بذلك فوضعوه ، فذهب اللّه بوحدتهم ولم تغن عنهم كثرتهم ، إذ سلّط عليهم الأعداء وأنزل بهم البلاء . ثم ذكر السبب في النهى عن اتباع خطوات الشيطان فقال :
( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ )
أي إنه ظاهر العداوة لكم ، فإن جميع ما يدعو إليه ظاهر البطلان ، بيّن الضرر لمن تأمل فيه وتفكر ، ومن لم يدرك ذلك في مبدأ الخطوات أدركه في الغايات ، حين يذوق مرارة العاقبة ، فلا عذر لمن بقي على ضلالته بعد تذكير اللّه وهداية عباده إلى سبل الخير ، وتحذيره إياهم من سلوك طرق الشر . ثم توعدهم إذا هم حادوا عن النهج السويّ والطريق المستقيم فقال :
( فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
أي فإن حدتم عن صراط اللّه وهو السلم ، وسرتم في طريق الشيطان وهي طريق الخلاف والافتراق ، بعد أن بيّن لكم عداوته ، ونهاكم عن اتباع طرقه وخطواته ، فاعلموا أن اللّه يأخذكم أخذ عزيز مقتدر ، فهو عزيز لا يغلب على أمره ، حكيم لا يهمل شأن خلقه ، ولحكمته قد وضع تلك السنن في الخليقة ، فجعل لكل ذنب عقوبة ، وجعل العقوبة على ذنوب الأمم ضربة لازب في الدنيا ، ولم يؤخرها حتى تحلّ بها في الحياة الأخرى . ولا تقوم للأمم قائمة إلا إذا أقامت العدل بين أفرادها ، وكانت صالحة لعمارة الأرض كما قال تعالى :
« وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ »
وهكذا الأفراد إذا لم ينهجوا النهج السوىّ ويتحلّوا بفاضل الأخلاق ، فلن يوفّقوا في دنياهم ولا في أخراهم . ثم زاد في التهديد والوعيد فقال :
تفسير المراغي — صفحة 115 | أحمد مصطفى المراغي