تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ )
أي ها هي ذي قد قامت الحجج ودلت البراهين على صدق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهل ينتظر المكذبون إلا أن يأتيهم اللّه بما وعدهم به من الساعة والعذاب في ظلل من الغمام عند خراب العالم وقيام الساعة ، وتأتي الملائكة وتنفّذ ما قضاه اللّه يومئذ ؟ . والحكمة في نزول العذاب في الغمام إنزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به ، ولا توطئة توطّن النفوس على احتماله ، إلى أن الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان أفظع وأشدّ هولا ، والخوف إذا جاء من موضع الأمن كان خطبه أعظم ونحو الآية قوله :
« وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا »
. وفي الآية عبرة للمؤمن ترغّبه في المبادرة إلى التوبة لئلا يفاجئه وعد اللّه وهو غافل ، فإذا لم يفاجئه قيام الساعة العامة وهلاك هذا العالم كله ، فاجأه قيام قيامته بموته بغتة ، فإن لم يمت بغتة جاءه المرض بغتة ، فلا يقدر على العمل وتدارك الزلل .
( وَقُضِيَ الْأَمْرُ )
أي كيف ينتظرون غير ذلك ، وهو أمر قضاه اللّه وأبرمه فلا مفرّ منه ، وحينئذ يثاب الطائع ويعاقب العاصي . ثم بالغ في التهديد والزجر قال :
( وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ )
فيضع كل شئ في موضعه الذي قضاه ، فهو الأول ، ومنه بدأت الخلائق ، وهو الآخر وإليه ترجع الأمور وتصير ، فعلى من زلّ عن الصراط السويّ ، واتبع خطوات الشيطان أن يبادر بالتوبة ويرجع إلى الحق قبل أن يحيق به زلله ، ويجازى على عمله
« كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ »
.

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 211 إلى 212 ]

سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 )