تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
( وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ )
أي إن ذلك المفسد إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر أسرع إليه الغضب ، وعظم عليه الأمر وأخذته الأنفة وطيش السفه ، إذ يخيل إليه أن النصح والإرشاد ذلة تنافى العزة التي تليق بأمثاله . وفي طبع المفسدين النفور ممن يأمرهم بالصلاح ، إذ يرون في ذلك تشهيرا بهم وإعلانا لمفاسدهم التي يسترونها بزخرف القول وخلابته ، وإن استطاعوا الحبس حبسوا أو ضربوا أو قتلوا .
( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ )
أي إن النار مصيره ويكفيه عذابها جزاء له على كبريائه وحميته حمية الجاهلية ، وستكون مهاده ومأواه ، وهي بئس المهاد وشره ، فلا راحة فيها ، ولا اطمئنان لأهلها . قيل لعمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : اتق اللّه ، فوضع خده على الأرض ، وقال ابن مسعود : من أكبر الذنوب عند اللّه أن يقال للعبد اتق اللّه ، فيقول : عليك نفسك أي أصلح نفسك ولا تصلح غيرك . ثم ذكر الفريق الآخر فقال :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ )
أي ومن الناس فريق يبيع نفسه للّه لا يبغى ثمنا لها غير مرضاته ، ولا يتحرى إلا صالح العمل وقول الحق مع الإخلاص فيهما ، فلا يتكلم بلسانين ، ولا يقابل الناس بوجهين ، ولا يؤثر عرض الدنيا وزخرفها على ما عند ربه . وهذا البيع لا يتحقق إلا إذا جاد المؤمن بنفسه وما له في سبيل اللّه إذا دعت الضرورة إلى ذلك ، كجهاد أعداء الأمة عند الاعتداء عليها ، أو الاستيلاء على شيء من أرضها ، فمن قدر على الجهاد بنفسه وجب عليه ذلك ، ومن قدر عليه بماله وجب عليه ذلك ، وإن قدر عليهما معا وجب عليه ، فإن قصر في شئ من ذلك فقد آثر نفسه على مرضاة اللّه وخرج من زمرة المؤمنين الذين باعوا أنفسهم للّه .
( وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ )
فيجازيهم على العمل القليل نعيما دائما ، ولا يكلفهم