تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦

المعنى الجملي

وصف اللّه في هذه الآيات حال جماعة من المنافقين كانوا في عصر التنزيل قد بلغ من دعارتهم وتمرّدهم في النفاق وفساد الأخلاق أن كانوا يظهرون بوجهين ، ويتكلمون بلسانين ، فإذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا بما أنتم به مؤمنون ، وإذا خلوا إلى شياطينهم دعاة الفتنة والإفساد الذين يصدون عن سبيل الحق قالوا لهم إنما نقول ذلك لهم استهزاء بهم ، وقد فضح اللّه بهتانهم وأوعدهم شديد العقاب على استهزائهم وزادهم حيرة في أمورهم ؛ ثم ذكر أنهم قد اختاروا الضلالة على الهدى ، إذ هم أهملوا العقل في فهم الكتاب بعد أن تمكنت منهم التقاليد والعادات ، وتحكمت فيهم البدع ، فخسروا في تجارتهم ، وما كانوا مهتدين فيها ، لأنهم باعوا ما وهبهم اللّه من النور والهدى ، بضلالات البدع والأهواء .

الإيضاح

( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ )
أي وإذا رأى المنافقون . المؤمنين واجتمعوا بهم قالوا كذبا وبهتانا : آمنا كإيمانكم وصدقنا كتصديقكم ، وإذا انفردوا بأمثالهم من دعاة الفتنة والإفساد قالوا لهم : إنا على عقيدتكم ، وموافقوكم على دينكم ، وإنما نظهر لهم الإيمان استهزاء بهم ، لنشاركهم في الغنائم ، ونحفظ أموالنا وأولادنا ونساءنا من أيديهم ونطلع على أسرارهم .
( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ )
أي اللّه يجازيهم بالعقاب على استهزائهم ( وسمى هذا الجزاء استهزاء للمشاكلة في اللفظ كما سمى جزاء السيئة سيئة ) ويزيدهم في عتوهم وكفرهم ، ويجعلهم حائرين مترددين في الضلال عقوبة لهم على استهزائهم .
تفسير المراغي — صفحة 56 | أحمد مصطفى المراغي