تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
والمشاهد أن الإنسان إذا همّ بعمل وناجى نفسه ، وجد كأن في قلبه خصمين مختصمين ، أحدهما يميل به إلى اللذة ويسير به في طريق الضلال والغواية ، وثانيهما يأمره بالسير في الطريق القويم وينهاه عن اتباع النفس والهوى ، ولقد جاء في كلامهم عن المتردد « فلان يشاور نفسيه » . ولا يترجح عنده جانب الشر إلا إذا خدع نفسه وصرفها عن الحق ، وزين لها اتباع الباطل ، وإنما يكون ذلك بعد مشاورة ومذاكرة تجول في الخاطر وتهجس في النفس ، ربما لا يلتفت إليها الإنسان ولا يشعر بما يجول بين جنبيه .
( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ )
القلوب هنا العقول ، وهو تعبير معروف عند العرب ، كأنهم لاحظوا أن القلب يظهر فيه أثر الوجدان الذي هو السائق إلى الأعمال كاضطرا به حين الخوف أو اشتداد الفرح . ومرضها ما يطرأ عليها مما يضعف إدراكها وتعقلها لفهم الدين ومعرفة أسراره وحكمه ، وفقدان هذا الإدراك هو الذي عبّر عنه القرآن بقوله :
( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها )
. ومن أسباب ذلك الجهل والنفاق والشك والارتياب والحسد والضغينة إلى غير ذلك مما يفسد الاعتقاد والأخلاق ويجعل أحكام العقل في اضطراب . وقد وجد هذا المرض عند هؤلاء المنافقين حين كانوا في فترة من الرسل فلم يكن لهم حظ من قراءة كتب الدين إلا تلاوتها ، ولا من أعماله إلا إقامة صورها دون أن تنفذ أسرارها إلى القلوب ، فتهذب النفوس وتسمو بها إلى فضائل الأخلاق والتفقه في الدين .
( فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً )
بعد أن جاء النذير البشير ومعه البرهان القاطع ، والنور الساطع ، وأبوا أن يتبعوه ، وزاد تمسكهم بما كانوا عليه ، فكان ذلك النور عمى في أعينهم ، ومرضا في قلوبهم ، وتحرّقت قلوبهم حسرة على ما فاتهم من الرئاسة ، وحسدا على ما يرونه من ثبات أمر الرسول وعلوّ شأنه يوما بعد يوم .