تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
( خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ )
ضرب اللّه مثلا لحال قلوب أولئك القوم ، وقد تمكن الكفر فيها حتى امتنع أن يصل إليها شئ من الأمور الدينية النافعة لها في معاشها ومعادها ، وحيل بينها وبينه - بحال بيوت معدة لحلول ما يأتي إليها مما فيه مصالح مهمة للناس ، لكنه منع ذلك بالختم عليها ، وحيل بينها وبين ما أعدّت لأجله - فقد حدث في كل منهما امتناع دخول شئ بسبب مانع قوى ؛ وكذلك حدث مثل هذا في الأسماع فلا تسمع آيات اللّه المنزلة سماع تأمل وتدبر ، وجعل على الأبصار غشاوة ، فلا تدرك آيات اللّه المبصرة في الآفاق والأنفس الدالة على الإيمان ؛ ومن ثم لا يرجى تغيير حالهم ولا أن يدخل الإيمان في قلوبهم .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 8 إلى 10 ]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 )

المعنى الجملي

ذكر سبحانه أوّلا من أخلص دينه للّه ووافق سرّه علنه وفعله قوله ، ثم ثنى بذكر من محّضوا الكفر ظاهرا وباطنا . وهنا ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وهم أخبث الكفرة ، لأنهم ضموا إلى الكفر استهزاء وخداعا وتمويها وتدليسا وفيهم نزل قوله :
( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ )
وقوله :
( مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ )
. وقد وصف اللّه حال الذين كفروا في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية ، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم ، وفضحهم ، واستجهلهم ، واستهزأ بهم ، وتهكم بفعلهم ، ودعاهم صما بكما عميا ، وضرب لهم شنيع الأمثال .