تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ولمثل هذا تأثير في إثارة الوهم دلت التجربة على وجوده ، وهو يغنى منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته فيمن يعمل له السحر .
( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ )
في الملكين قراءتان فتح اللام وكسرها ، وهما رجلان شبها ؛ إما بالملائكة لانفرادهما بصفات محمودة ، وقد جرت العادة أن يقولوا هذا ملك وليس بإنسان ، وإما بالملوك كما يقال لمن كان سيدا عزيزا يظهر الغنى عن الناس : هذا من الملوك ، وكان الناس في عهد هاروت وماروت كحالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شؤونهم الروحية إلا أهل السمت والوقار الذين يلبسون لباس أهل الصلاح والتقوى . وظاهر الآية يدل على أن ما أنزل على الملكين غير السحر لكنه من جنسه ، وقد ألهماه واهتديا إليه بلا أستاذ ولا معلم ، وقد يسمى مثل هذا وحيا كما في قوله :
( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )
وقوله :
( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ )
.
( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ )
أي وما يعلم الملكان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له : إنما نحن ابتلاء من اللّه عزّ اسمه ، فمن تعلم منا وعمل به كفر ، ومن تعلم ولم يعمل به ثبت على الإيمان ، فلا تكفر باعتقاده وجواز العمل به . وفي هذا إيماء إلى أن تعلم السحر وكل ما لا يجوز اتباعه والعمل به ليس محظورا ، وإنما الذي يحظر ويمنع هو العمل به فحسب . وإنما كانا يقولان ذلك إبقاء على حسن اعتقاد الناس فيهما ، إذ كانا يقولان إنهما ملكان ، كما نسمع الآن من الدجالين الذين يحترفون مثل ذلك لمن يعلمونهم الكتابة للحب والبغض . نوصيك بألا تكتب هذا لجلب امرأة إلى حبّ غير زوجها ولا تكتب لأحد الزوجين أن يبغض الآخر ، بل تجعل ذلك للمصلحة العامة كالحبّ بين الزوجين ، والتفريق بين عاشقين فاسقين ، وهذا منهم إيهام بأن علومهم إلهية وصناعتهم روحية .