تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
وعلمائهم الذين نبذوا التوراة تجاهلا منهم بما هم به عالمون - اتبعوا السحر الذي تلته الشياطين في عهد سليمان بن داود وعملوا به ، وذلك هو الخسران المبين . وقد زعموا أن سليمان هو الذي جمع كتب السحر من الناس ودفنها تحت كرسيه ثم استخرجها الناس وتناقلوها ، وهذا من مفتريات أهل الأهواء نسبوها إليه كذبا وبهتانا .
( وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ )
أي وما سحر ، لأنه لو فعل ذلك فقد كفر ، إذ كونه نبيّا ينافي كونه ساحرا ، فالسحر خداع وتمويه ، والأنبياء مبرءون من ذلك .
( وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا )
أي ولكن الشياطين من الإنس والجن الذين نسبوا إليه ما انتحلوه من السحر ودوّنوه وعلموه الناس هم الذين كفروا .
( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ )
قد جاء ذكر السحر في القرآن في مواضع كثيرة ولا سيما في قصص موسى وفرعون ، ووصفه بأنه خداع وتخييل للأعين حتى ترى ما ليس بكائن كائنا كما قال :
( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى )
وقال في آية أخرى
( سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ )
. والآية نص صريح على أن السحر كان يعلّم ويلقّن ، والتاريخ يؤيد هذا . والسحر إما حيلة وشعوذة ، وإما صناعة وعلم خفىّ يعرفه بعض الناس ويجهله الكثير منهم ، ومن ثم يسمون العمل به سحرا لخفاء سببه عليهم . وقد روى المؤرخون أن سحرة فرعون استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصىّ بصور الحيات والثعابين حتى خيّل إلى الناس أنها تسعى . وقد اعتاد الذين اتخذوه صناعة للمعاش أن يتكلموا بأسماء غريبة وألفاظ مبهمة ، اشتهر بين الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجن ، ليوهموهم أن الجنّ يستجيبون دعاءهم ويسخّرون لهم ، وهذا هو منشأ اعتقاد العامة أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب .