فإذا لم يستقم له ذلك وقف حائرا مدهوشا ، ولا سيما إذا تكرر ذلك أمامه ، فكان من لطف اللّه بعباده أن تظهر المعجزات على يد الأنبياء على طريق التدرّج حتى لا تصطدم بها عقول معاصريها دفعة واحدة .
حكى القرآن في معجزات عيسى عليه السلام قوله :
( أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ )
.
كان اللّه قديرا على أن يخلق الطير من الطين ومن غير الطين سواء كان في شكل الطير أم لم يكن ، وكذلك لم يكن هناك من داع للنفخ ، لأن طريق القدرة
( كُنْ فَيَكُونُ ) *
.
ولكن شاء اللّه أن تظهر قدرته بطريق التدرج ، لأن الطين إذا كان على شكل الطير يشتبه بالطير الحقيقي ولا يكون بينهما فارق إلا بالحياة ، وعملية النفخ تجعل الرائي ينتظر تغييرا في الجسم كما يحدث ذلك في الكرة ونحوها إذا نفخ فيها ، فإذا وجدت الروح في هذا الهيكل الطيني تكون حدّة الصدمة قد خفّت ، لأن النفس كانت ترقب ما حدث ، وجميع المقدمات لا دخل لها مطلقا في وجود الحياة والروح .
وكذلك خلق عيسى من نطفة الأم فقط ، مع أن الحيوان في عالمنا لا يخلق إلا من نطفتى الأب والأم ، ونظام الكائنات يجرى على سنن واحد إلا حيث يريد اللّه .
وقد لطف اللّه بمريم فأراها ملكا في صورة بشر ، وقال لها سأهب لك غلاما زكيا ، فأجابته :
( أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ )
فرؤية الملك والأحوال التي أحاطت به أوجدت عندها بعض الشك في أنها ربما حملت بطريق غير عادى ، وبهذا تهيأ احتمالها صدمة الحمل عندما حصل .